“العلم سيد المادة” .. بقلم محمد عبدالعزيز

0

“العلم سيد المادة” .. بقلم محمد عبدالعزيز

 

لا يوجد حد فاصل بين المادة و المعنى بالصورة الحادة التي تكونت في إدراكنا، بل أن هذا الحد يكاد يكون مجرد وهَمٌ عززته خبرة نوعية محدودة و إدراك منقوص أحادي النظرة للكون و الحياة، مرجع ذلك أننا نرى أكثر أفكارنا و أقوالنا و مدوناتنا لا تتحول إلى واقع مادي ملموس، فطبيعة الحياة الدنيا على الأرض و قوانينها فرضت علينا بناء المادة بالمادة و حصرت دور العلم تجاه البناء المادي كمرجع في الوصف و التدوين و الحساب و التوجيه و الإرشاد، لكن الأمر على أصله مختلف تماماً فالعلم أصل المادة، منه تكونت المادة و ظهرت للوجود.

فكل علم الله سبحانه و تعالى حقائق، و كل معنى عنده له تشخيص:
عند الموت ترى عملك و قد شخص لك في صورة رجل يؤنسك أو يفزعك، و تتحول ذنوبك يوم البعث أحمالاً و أثقالاً تحملها على ظهرك، و توزن أعمالك خيرها و شرها كمثاقيل في ميزان حقيقي، و يطوي الله السماء يوم القيامة فيعيدها كتاباً كما كانت قبل الخلق ثم ينشرها فيعيدها على الوصف الذي حدده علمه:
{ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } الأنبياء (104) 

و حتى في الحياة الدنيا هناك أمثلة و مؤشرات تبين قوة العلم و سطوته على المادة:
فعلوم السحر تؤثر دون اتصال مادي ملموس على مادة الإنسان و سلوكه و إدراكه.
{ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } بعض الآية (102) البقرة.

و لما اطلع السامري على علم لم يعرفه البشر تمكن أن يحول ذهب بني إسرائيل إلى “عجل له خوار”
{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} طه (87-88).

و عندما طلب سليمان من ملأه أن يحضروا عرش بلقيس اعتمد عفريت من الجن على مادة قوته الجبارة فقال لسليمان أنا أتيك به قبل أن ينفض مجلسك، لكن الذي اعتمد على علم عنده من الكتاب أحضر عرش بلقيس لسليمان بلا جهد في زمن أقل من (2%) من الثانية ” قبل أن يرتد إليه طرفه”
{ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} { قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } النمل (39-40).

و سيأتي المسيخ الدجال بعلم لا يعرفه البشر يفتن به الناس حيث يأمر السماء فتمطر و تتبعه كنوز الأرض، كما أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم.

إن غلبة المادة ظاهرياً على قوانين الأرض أنتجت طبيعة تفكيرنا المادي و أوهمتنا أن المادة هي الأصل و أن المعنى ينشأ من وجود المادة لكن الحقيقة الأزلية أن العكس هو الصحيح فالأصل هو المعنى “العلم” فكل خلق و مخلوق ما هو إلا تجسيد لعلم في كتاب الله سبحانه، فقد بدأ الله الخلق علماً في كتابه ثم قال له كن فكان، فمادة الكون بكل صورها و أصنافها هي الشكل الملموس لعلمٍ إلهي مقدرٌ في كتاب الله العليم الحكيم.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: 
إنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّهُ القَلمَ ، فقالَ اكتُب فقالَ ما أكتُبُ قالَ : اكتُبِ القدَرَ ما كانَ وما هوَ كائنٌ إلى الأبدِ ” …. صحيح الترمزي (2155)

تعليقات

يتم التحميل..