“المباني والمعاني”..بقلم محمد عبدالعزيز

0

“المباني والمعاني”..بقلم محمد عبدالعزيز

 

ماذا لو أمر الله أبينا إبراهيم ببناء الكعبة في ألاسكا و جعل الحج في القطب الشمالي؟
هل يصح حجك لو قمت بكامل فرائضه و سننه , في أماكنه المحددة من الميقات و الكعبة المشرفة و منى ، و مزدلفة، و عرفات لكن في غير أيام ذي الحجة المحددة؟

لم يهدم رسول الله صلى الله عليه و سلم مسجد الضرار بسبب نزاع ملكية أو عيب هندسي و لكن لفساد الرسالة و الغاية التي بني من أجلها هذا المسجد، فهدم المبنى حفاظاً على المعنى.

الإسلام معاني أوجدت مباني، حقيقة وعاها الأولون الذين شربوا الإسلام من نبعه الصافي..
تأمل المُلهم عُمر ابن الخطاب و هو يعلن برائته من عبادة المباني فيقبل الحجر الأسود في ركن الكعبة المشرفة، ثم يقول له و الله إني لأعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع و لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبلك ما قَـبَّلتُك، و هذا عبد الله بن عمرو بن العاص يخاطب الكعبة: ” أشهد أنك بيت الله، وأن الله عَظَّمَ حُرمَتَك، وأن حُرمَة المسلم أعظم من حرمتك “

تعظيم المباني على حساب المعاني جاهلية جديدة قديمة تسللت إلى نفوس الملايين من عموم المسلمين أنستهم أن أصل هذا الدين صحة المنهج و الاعتقاد، ثم التسليم و العمل بالانقياد لرب العباد، ثم تُأسيس المباني على التقوى، راعية لهذا المنهج، و خادمة لتلك العقيدة، فتكتسب المباني قيمتها من المعاني التي أسست من أجلها، من لم يدرك هذا الجوهر، و يعي تلك الحقيقة، و يتشرب بهذا المفهوم، ففي إدراكه خلل و في إسلامه نظر..

لقد انحدرت أمة المسلمين عندما قدمت المباني على المعاني فتحول الدين إلى شكل و هيئة و لقب و مهنة ذات مظهر متقن و جوهر فارغ من المحتوى و المضمون، و قد مرت الأمة الإسلامية في هذا الباب بانحدارين رئيسيين هما الأشنع و الأخطر على مدى تاريخها:

الانحدار الأول عندما خالف المسلون هذه الآية و أتوا بنقيضها: 

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ التوبة (19)

قديماً أطعم كفار مكة و سقوا الحجيج و عَظَّمُوا الكعبة ثم دخلوا النار، و تكفَّل أبو طالب عم نبينا برعايته و احتضنه كأب شهم كريم رحيم مشفق محب، فأتقن المباني و أصاب من طيبات المعاني لكنه أضاع كل هذا عندما هدم المعنى الأكبر و اقترف الظلم العظيم عندما حضرته الوفاة، فأطاع أبو جهل و اختار ملة عبد المطلب..
و حديثاً عبد بعضنا الله بمنطق الجاهلية يسمع القرآن كأغنية و يقرأ السنة كرواية أدبية، لا يفرق بين حديث الرسول و حديث من سواه فكله عنده عبارات مروية و بلاغة لفظية، فانتفشت في القلوب المباني و انكمشت المعاني، و أصبحت زينة المسجد الحرام و كسوة الكعبة بالحرير أولى من زينة القلوب و كسوة العراة و إصلاح الضمير، و اكتفى معظم علماء الأمة بالصلاة و الاعتكاف و الجلوس في ظل المباني، يفتون الناس في حكم النتف بالحلوى، و أمة المسلمين من بلوى إلى بلوى، متغافلين عن معظم قضايا الأمة الجوهرية، متجاهلين معظم شؤونها المصيرية، حتى فقدت أهم المباني تماسكها و حصانتها فهُدِمت و حُرِقَت مساجدنا و انتهكت داخل و خارج بلادنا و في شتى بقاع الأرض، و استبيحت دماء المسلمين و انتهكت حرمة المسلم التي هي عند الله أعطم من حرمة الكعبة المُشرَّفة..

الانحدار الثاني:
عندما تمادى المسلمون غفلةً حتى نسوا صفقتهم مع الله :

” إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ”… من الآية (111) التوبة..

فقدم المسلمون مبانيهم و شوارعهم و مصانعهم و مزارعهم على الدين و معانيه فارجأوا الجهاد خوفا من خراب العمران و شُح الأقوات، و تعطل المصالح، متعللين بروايات و أحاديث أولوها على ما يوافق أهوائهم، ليتملصوا من حكم قرآني ملزم في آيات محكمات، حتى إذا ما دعى داعي الجهاد اعترضوا عليه بحجة الحفاظ على الأرواح و الممتلكات و المباني و مظاهر التمدن و وسائل الراحة و الرفاهية التي ألفوها و اعتادوا عليها، و هكذا، في مفاصلة عجيبة رد عليها القرآن الكريم بالنص المفصل في آية محكمة من قبل أن تبتلى الأمة بظهور أمثال هؤلاء:

” قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ”…….التوبة (24)

هب أن رجلاً جاهد في سبيل الله و رفض الذل و الخنوع فتشرد و أهله حتى مات رضيعه من الجوع، و لم تأويه إلا أرض هدم و حرق مقفرة، ثم هوت فوق رأسه البراميل المتفجرة فحولته و أطفاله أشلاءً متناثرة، فهل كان النكوص عن الجهاد و إيثار السلامة و الرُقاد، يمكن أن يُمدِدَ آجالهم أو يُحَسِّن أحوالهم أو يغير مصيرهم؟؟؟

” يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ”….من الآية (154) آل عمران..

” قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ” هود (92)
” وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ” من الآية (21) من سورة يوسف.

يا مَن تحاكمتم إلى الرجال و تجاهلتم أحكام القرآن لستم على شيء..
يا مَن أولتم الأحاديث بالهوى و اجتزأتم الآيات من سياقها لتعطلوا أحكام القرآن و تضربوا القرآن بعضه ببعض، لستم على شيء..
يا من عظمتم المباني دون المعاني،…. أخشى أنكم تعبدون الحَجَر..

تعليقات

يتم التحميل..