“محمد علي وتمكين النصارى”

0

“محمد علي وتمكين النصارى”

 

لا تكاد تجد هزيمة أو انحراف ما في تاريخ الحكم الإسلامي إلا و خلفه خيانة من نوع ما، فبعد مئات السنين من المواجهات أيقن أعداء المسلمين أن هذا الدين وهذه الأمة لا يمكن القضاء عليها او إخضاعها في ميادين القتال، بسبب قوة إيمانهم وتمسكهم بعقيدتهم و أن أقصر الطرق لإخضاع المسلمين هي الغزو بالإنابة و الاحتلال بالوكالة..

كان أشهر من أوصوا باستخدام هذا الأسلوب لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية الثامنة الفاشلة عندما قال: ” لابد من تحويل ميدان القتال إلى مجال آخر يقوم عليه صنائعهم وعملائهم من المفتونين من أبناء المسلمين “
و هو نفس ما أوصى به البطريرك جريجوريوس اليوناني بعد ذلك في رسالته إلى قيصر روسيا يشرح له خطة هدم الدولة العثمانية من الداخل، باستخدام العملاء والرشوة للدفع بمن لا ولاء لهم إلا للمال والجاه فقط و لو على حساب دينهم و أمتهم، إلى مناصب القيادة.
و لازالت تتم صناعة العملاء الذين يبيعون دينهم وأمتهم وعقيدتهم لأعداء الأمة، الذين يرتضون على أنفسهم أن يأتوا على أسنة رماح الكافرين ليتبوأوا مقعدهم من السلطة والقيادة ليكونوا خنجرًا في يد الأعداء يطعنون به الأمة المسلمة في هويتها و دينها وثوابتها المقدسة، و يعتبر محمد على باشا أول نجاح كبير و مبهر في خطة التدمير من الداخل و الاحتلال بالوكالة..

لم تذكر الروايات التاريخية شيئًا عن أصل محمد علي ولا تاريخ ميلاده، و كل ما يذكر عنه قبل مجيئه إلى مصر أنه كان شخصية سيئة السمعة معروفًا بالقسوة والغلظة ترسله الدولة العثمانية لتأديب القرى التي تتأخر في دفع الضرائب فيعكسر بحملته التأديبية حول القرية ينهبون ويسلبون ويفزعون الآمنين حتى يرى أهل القرية أن الأفضل لهم دفع الضرائب مهما كانت باهظة، وقد انتقل بعدها لتجارة الدخان والتبغ فحقق أرباحًا جديدة وظهرت مواهبه وطموحاته الواسعة ونهمه الشديد للأموال والسيطرة غير أنه قد بقى جنديًا من جنود الدولة العثمانية حتى ترقى في سلكها وصار من كبار ضباط فرقة الروملي.

كان وصول محمد علي للحكم أخطر منعطف تاريخي حدث في تاريخ مصر و العالم الإسلامي فلم يكن هذا التاجر الألباني اللئيم على الحقيقة أكثر من مُتسَلِّق مُخادع حقير يعلن الإسلام لكنه على الحقيقة بلا مبدأ، ولا عقيدة، ولا انتماء، لا يهمه سوى تحقيق طموحه في المُلك و الثروة و المجد الشخصي.
و يكمن السر في حرص النظم العلمانية العميلة على تمجيد محمد علي إلى أنه الجد الأكبر لهذه النظم و المؤسس الحقيقي للعلمانية في مصر و أول من نحى الشريعة الإسلامية و طعن الخلافة الإسلامية في خاصرتها و كَرَّث ولائه للغرب و مَكَّنَ لليهود و النصارى في مصر.
لقد أدخل محمد علي زراعات وصناعات حديثة بمصر و أنشأ الأسطول ودعّم الجيش وأدخل النظم الحديثة في القتال، واهتم بالتعليم وأنشأ المدارس ونظم المواصلات ونشط التجارة ونظم الإدارة وبنى القناطر والسدود بهدف رفع مستوى الدولة، و لم يكن ذلك خدمة للشعب المصري أو الإسلام أو المسلمين، فمحمد علي كان يعتبر نفسه الدولة فالأرض أرضه والفلاحون زراع عنده يزرعون الأرض له و يستحوذ على محاصيلهم، و هو التاجر الذي تؤول إليه أموال التجارة كلها وهو ما لك الصناعة الذي تؤول إليه أرباح الصناعات كلها، فالصورة الحقيقية أننا أمام تاجر ماهر و محتكر فاجر، يُنَمِّي تجارته استحوذ على مصر و حولها لضيعة خاصة، يعظم ريعها و يعزز حرسها ليؤمن ضيعته، فكانت كل إجراءاته الاقتصادية و التطويرية من أجل تثبيت ملكه و تعظيم مكاسبه و ليس حرصاً على المصريين أو الإسلام أو المسلمين فالإسلام منه براء فقد بدأ حكمه بالخيانة و الإجرام و تبنى العلمانية و تنحية الشريعة الإسلامية.

محمد علي ” الوجه القذر الذي يخفونه “، إليكم غيض من فيض:
– قضى محمد علي على علماء الأزهر الذين نصَّبوه بالاغتيال و النفي و قطع الأرزاق، و أحاط نفسه ببطانة ومساعدين من نصارى الأروم والأرمن وكتبة من الأقباط واليهود، يقول عن ذلك الجبرتي { فتح باب للنصارى من الأروام والأرمن فترأسوا بذلك وعلت أسافلهم }، وكان بوغص بك ، النصراني الأرمني، بمثابة رئيس وزرائه.

– حرص محمد علي أن يظهر أمام الغرب بصورة المتحرر من كل قيود الدين، فلقد قال للفرنسيين وهو يفاوضهم على احتلال الجزائر ” ثقوا أن قراري لا ينبع من عاطفة دينية فأنت تعرفونني وتعلمون أنني متحرر من هذه الاعتبارات التي يتقيد بها قومي وقد تقولون إن مواطني حمير وثيران وهذه حقيقة أعلمها “.!!!

– عندما وقعت ثورة اليونان الصليبية على الخلافة العثمانية، سمح لليونانيين الذين يقيمون في مصر بالسفر إلى اليونان و حرر مماليكه الذين من أصل يوناني وأرسلهم جميعاً للانضمام للثورة ضد الخلافة الإسلامية.

– قام محمد علي ولأول مرة في تاريخ الجيوش الإسلامية بإدخال عناصر من الأقباط واليهود في الجيوش المصرية مما ترتب عليه إضعاف الجيوش و إفشاء أسرارها فلم يكن لهؤلاء أي ولاء للإسلام و لا المسلمين.

– عمل محمد علي على تفتيت دولة الخلافة فشن حروب واسعة بسبب أطماعه و تحول إلى خنجر بيد أعداء الإسلام يمزق في جسد الأمة فتوغل في السودان لنهب ثرواتها حتى وصل إلى منابع النيل ثم توجه إلى الشام، ودخلها بعد حروب مريرة راح ضحيتها آلاف المسلمين، ثم انقلب على السلطان العثماني سنة 1248هـ وأخذ في محاربة جيوش الخلافة حتى كاد أن يسقط دولة الخلافة كلها، و نضحت كل أفعاله باتجاه المعادي للمسلمين و مساند للنصارى واليهود، وأكدت أيضًا أنه كان منفذًا للأهداف البريطانية على الصعيد السياسي وكان منفذًا للأهداف الفرنسية على الصعيد الثقافي.

– فتح محمد علي الباب على مصراعيه لدخول البعثات التبشيرية الفرنسية والأمريكية وألغى كافة القوانين الاستثنائية وجميع ما كان يسري على النصارى وحدهم ويعتبر الصليبيون عام 1834 م تحول تاريخي للتنصير والتبشير في مصر.

– أصبح محمد علي أنموذجًا وإمامًا تحتذي به الدول الأوروبية في صنع عملائها في داخل ديار المسلمين كمصطفى كمال أتاتورك الذي جاء من بعده وأتم المهمة التي بدأ بها محمد علي في إسقاط دولة الخلافة تنحية الإسلام.

– فتح باب مصر والشام على مصراعيه أمام حملات التغريب والغزو الثقافي الغربي للمسلمين والحضارة الإسلامية وسمح للمحافل الماسونية والإرساليات التبشيرية والأديرة والكنائس والمدارس الصليبية التي بذرت بذور التيارات القومية المعادية للإسلام، و قام بابتعث الطلبة المسلمين لفرنسا وهم في سن المراهقة غير محصنين بشيء لينغمسوا في فنون الضياع والشهوات والشبهات و أرسل معهم أئمة غير موثوقين للوعظ والصلاة، لذر الرماد في العيون. مثل الطهطاوي الذي انبهر بفرنسا و خلع الجبة والقفطان و لبس البدلة والقبعة و ألف كتاب أخبار باريس و دعا فيه إلى تحرير المرأة إلى السفور والاختلاط، و أثنى على الرقص وأظهر تأثرًا وإعجابًا بآراء مونتسكيو وروسو، و لازال المستغربين على خطى الطهطاوي حتى فقدت مجتمعاتنا الهوية الإسلامية و وصلنا لفاروق حسني وزير ثقافة حسني مبارك، الذي كان يقيم احتفالية كبيرة كل سنة بمثابة الحملة الفرنسية على مصر، و ختمنا بحلمي النمنم الذي أعلن بصراحة و وقاحة أن مصر ” طوال عمرها علمانية و لم تكن يوماً إسلامية “.!!!

فمحمد علي باشا (ت1849) هو الذي حمى النطفة النجسة الأولى للعلمانية التي استنسخها رفاعة رافع الطهطاوي (ت1873) و تمت رعايتها و فرضها لتكون الهوية الخفية و الحقيقية لنظام الحكم في مصر منذ عهد محمد علي و حتى الآن، و هو الذي دشن مشروع تمكين النصارى و تنحية الشريعة الإسلامية.

ثم جاء خلفاؤه على نهجه في تنحية الإسلام و إحلال (العلمانية) فأنشأوا المحاكم المختلطة سنة 1870م، وبعد احتلال الإنجليز مصر سنة 1882 أكملوا مشروعهم التخريبي في استبعاد الشريعة الإسلامية من الحكم واستمر الوضع هكذا حتى قام انقلاب يوليو 1952م وتم القضاء على البقية الباقية من الحكم بالشريعة الإسلامية وتم الاستيلاء على أوقاف المسلين فقط أما أوقاف النصارى فلم تمس!!!..

وفي عهد محمد علي باشا استورد لنا رفاعة الطهطاوي مصطلح (المواطنة) حسب منطلقات المنظومة الغربية، وبموجب مفهوم هذا المصطلح الجديد حلت رابطة المواطنة محل رابطة الدين وصار الولاء للوطن مقدماً على الولاء للدين.. ومن ثم فلا ضرورة لعقد الذمة وأخذ الجزية ولسنا بحاجة إلى اتفاقية بابليون الأولى والثانية حسب الوضع الجديد الذي تبنته الأسرة العلوية حيث تم استبعاد الشريعة الإسلامية رسمياً من الحكم وتم إنشاء محاكم تحكم بقوانين مترجمة من فرنسا وإنجلترا وإيطاليا ولم يعد للشريعة الإسلامية مجال للحكم إلا في ما يسمى بقوانين الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث..
لذلك لا عجب أن يصبح في عهد الخديوي إسماعيل و لأول مرة في تاريخ مصر إنشاء أول مجلس نيابي بالمعنى الغربي، يضم نواب نصارى في المجالس النيابية و قضاة ومستشارون في محاكم الاستئناف، ومنذ عام 1883 جرى التقليد على تعيين وزير قبطي واحد في كل وزارة، ثم ارتفع العدد إلى اثنين عام 1924 عندما شكل العلماني سعد زغلول وزارته، وفي العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، تولى اثنان من الأقباط رئاسة الوزارة في مصر، وهما بطرس غالي ( 1908-1910) ويوسف وهبه باشا (1919-1920). واشترك الأقباط في الأحزاب السياسية المصرية، فكان منهم اثنان في الهيئة التأسيسية لحزب الإصلاح الذي تزعمه الشيخ علي يوسف. واثنان من أبرز أعضاء قيادة الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل، وستة عشر عضواً من أصل مائة وثلاثة عشر عضواً في حزب الأمة الذي تأسس عام 1907، كل ذلك تم ببركة محمد علي باشا وخلفاؤه الذين نحوا الشريعة الإسلامية التي ظلت حكم مصر منذ سنة 20هـ حتى حكم محمد علي باشا.

مات محمد علي باشا و حول سريره النصارى و أعضاء المحفل الماسوني، و ماتت الملكة نازلي والدة الملك فاروق آخر حاكم من أبناء محمد علي و ابنتها الأميرة فتحية على النصرانية الكاثولوكية و دفنتا بإحدى كنائس لوس أنجلوس.!!!

 

بقلمي

تعليقات

يتم التحميل..